الثلاثاء، 5 مايو 2026

نافذة تيسير: حين تتحول الفجوة في الجدار إلى مدخل للسؤال!

 

نافذة تيسير

 

"حين تتحول الفجوة في الجدار إلى مدخل للسؤال"

 

 




لم تكن النافذة، في البداية، أكثر من فجوة صغيرة في جدارٍ اكتمل قبل أن ننتبه لوجوده. فجوة لا تُرى من بعيد، لكنها تُحسّ حين يمرّ الضوء عبرها بطريقة مختلفة، كأن الجدار نفسه يعترف بأن اكتماله خدعة، وأن كل بناء مهما بدا صلبًا يحتاج إلى نقصٍ ما كي يتنفس. كانت نافذة تيسير كذلك: شقًّا ضيقًا في جدار اعتدنا أن نراه بلا ملامح، فجوة لا تَعِد بشيء، لكنها توقظ شيئًا لا نعرف اسمه فورًا. وكان تيسير يمرّ بجانبها كما لو أنها لا تخصّه، وهذا ما جعلها تخصّنا أكثر.

 

الجدار، بطبيعته، يفرض نظامًا. يحدد الداخل والخارج، الممكن والممنوع، ما نراه وما لا نراه. لكن النافذة، حتى لو كانت صغيرة، تُربك هذا النظام. تُدخل احتمالًا جديدًا، خللًا جميلًا يكسر رتابة العادة. لذلك، حين ظهرت نافذة تيسير، لم تكن مجرد فتحة في الحائط، بل شرخًا في العادة نفسها، يذكّر بأن العالم ليس مغلقًا كما نظن.

 

ومن خلال تلك الفجوة، ظهر "الآخر". لم يكن غريبًا بمعنى المسافة، بل غريبًا بمعنى السؤال. وجوده وحده كان كافيًا ليُربك هذا الاطمئنان الصامت. الآخر، حين يظهر عند حافة نافذة، لا يكون مجرد شخص؛ يصبح علامة. مرآة تكشف ما لم نكن نراه في أنفسنا: لماذا هو هناك؟ ولماذا نحن هنا؟ ومن الذي قرر هذا التوزيع الصامت للأماكن؟

 

هكذا يبدأ السؤال: من فجوة صغيرة، من نظرة عابرة، من حضور لا يطلب شيئًا. العدالة لا تظهر كقضية، بل كاختلال في الضوء؛ بقعة تصل إلى مكان أكثر مما تصل إلى آخر. لماذا يصل إليه الضوء أكثر؟ ولماذا نرى نحن أقل؟ والحرية لا تأتي كإجابة، بل كارتباك داخلي: هل اخترت مكاني، أم اختاره لي الجدار؟ هل النافذة فرصة… أم تذكير؟

 

العادة هي الجدار الأكثر خفاءً. نمرّ داخلها دون أن ننتبه، نكررها حتى تختفي ملامحها، ونكفّ عن سؤالها لأنها صارت مألوفة أكثر مما ينبغي. والعادة لا تُرى… لأنها تقف داخل العين. نافذة تيسير لم تفعل أكثر من كسر هذا الإيقاع. جعلت الجدار مرئيًا من جديد. فجوة صغيرة، لكنها كافية ليتسلل منها احتمال لم يُجرَّب بعد.

 

ومع الوقت، لم تعد النافذة مجرد فتحة نطلّ منها على الآخر، بل صارت مرآة نرى فيها أنفسنا. ما يظهر عبرها ليس العالم فقط، بل موقعنا فيه. السؤال يتبدل بهدوء: من "من هو؟" إلى "من أنا حين أراه؟" ومن "لماذا هناك؟" إلى "لماذا هنا؟"

 

هنا، لا تعود العدالة في توزيع الضوء فقط، بل في القدرة على رؤية ما يحجبه. ولا تعود الحرية في مغادرة المكان، بل في إعادة النظر إليه. النافذة لا تمنحنا مشهدًا جديدًا بقدر ما تمنحنا عينًا مختلفة. إنها تذكّر بأن الجدار ليس قدرًا، وأن الفجوة الصغيرة قد تكون بداية طريق لا نعرف نهايته.

 

وعند حافة الضوء، نفهم أن السؤال لا يبحث عن إجابة… بل عن يقظة. 

وفي النهاية، تبدو نافذة تيسير أقل شبهًا بفتحة في الحائط، وأكثر شبهًا بمسؤولية: أن نرى ما وراء العادة، أن ننتبه للآخر حين يظهر، أن نسمح للسؤال بأن يبقى مفتوحًا.

 

وربما، في لحظة ما، نفهم أن النافذة لم تكن لتُريك ما وراء الجدار فقط… 

بل لتريك مكانك أنت منه.

 

 

جهاد غريب

مايو 2026

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

حين تنمو البذرة في صمت

حين تنمو البذرة في صمت   "عن الوعي الذي يغيّر العالم من قلبٍ واحد"   لم يبدأ التغيير بصوتٍ عالٍ. لم يكن قرارًا حاسمًا، و...