حين تُعلّمنا الجدران كيف نكون
"عن الحدود التي نبنيها… ثم تسكننا"
في البداية، لم يكن الجدار فكرة.
كان سطحًا باردًا يوقف اندفاع اليد.
طفلٌ يمدّ كفّه، لا بحثًا عن شيء محدد، بل بدافع الاكتشاف
الخالص، ثم يصطدم. لا ألم حقيقي، فقط دهشة قصيرة: هنا ينتهي الامتداد. هنا، يقف
العالم. تلك اللحظة الصغيرة، التي تُنسى سريعًا، ليست أقل من درس أول في الوجود:
ليس كل ما يمكن تخيله يمكن بلوغه.
من هناك، يبدأ التعريف.
هذا داخل.
وذاك خارج.
وهناك، شيء ليس لي.
الجدار لا يتكلم، لكن صمته أثقل من الكلام.
ومع ذلك… لا يكفّ عن الشرح.
تكبر المساحات، وتزداد الجدران حذقًا.
لم تعد مجرد حدود، بل أصبحت ترتيبًا خفيًا للحياة.
الغرف لا تُقسَّم اعتباطًا. هناك غرفة تُغلق، وأخرى تُترك نصف
مفتوحة. ممرّ يفرض عليك أن تمرّ به لتصل، ونافذة تسمح لك أن ترى دون أن تُرى. في
هذا التوزيع الصامت، يتعلّم الجسد مساراته قبل أن يعيها العقل. نخفض أصواتنا هنا،
نطرق الأبواب هناك، ونتوقف عند عتبات معينة كما لو كانت خطوطًا غير مرئية مرسومة
داخلنا.
ليس لأن أحدًا أمرنا بذلك،
بل لأن الجدران رتّبت احتمالاتنا مسبقًا.
ثم، دون أن ننتبه، تتبدل مادة الجدار.
لم يعد حجرًا فقط.
صار معنى.
بين شخص وآخر، طبقة لا تُرى، لكنها تُحس. بين حيّ وآخر، فرق لا
يُكتب على اللافتات، لكنه يُقرأ في الوجوه. هناك من يعيش داخل دوائر واسعة، حيث
الجدران بعيدة بما يكفي ليبدو العالم مفتوحًا، وهناك من تضيق حوله المساحة… حتى
يلامس الحدّ.
ليست كل الجدران تُبنى بالطوب.
بعضها يُبنى بالتاريخ.
وبعضها، بما لم يُمنح.
وكل جدار نلمسه يترك أثرًا في الداخل، حتى لو لم ننتبه.
ومع ذلك، لا يكون الجدار دائمًا خصمًا.
ثمة جدار يحمي.
يحفظ الصوت من التشتت، والسرّ من الانكشاف، والذات من الذوبان
الكامل في الخارج. خلفه، يمكن للإنسان أن يكون أقل حذرًا، أقل عرضة للنظر، أكثر
قدرة على الانتباه لما في داخله.
لكن الجدار نفسه، حين يُغلق أكثر مما ينبغي، يتحول إلى شيء
آخر.
لا يحمي، بل يحجب.
لا يحدّ، بل يحاصر.
الفارق دقيق، لكنه حاسم:
هل الجدار يمنحك مكانًا،
أم يسلبك أفقًا؟
لهذا، لا يكفّ الإنسان عن التفاوض مع الجدران.
يبنيها، ثم يفتح فيها نافذة.
يرفعها، ثم يترك فيها بابًا.
وأحيانًا، يقف أمامها طويلًا، لا ليهدمها، بل ليتأكد إن كانت
لا تزال في مكانها الصحيح.
فالحرية ليست دائمًا في غياب الجدار،
بل في القدرة على تحديد موقعه.
أن تعرف أين يجب أن يقف،
وأين يجب أن يتراجع قليلًا،
ليمرّ الضوء.
وفي لحظة ما، يكتشف الإنسان أن أكثر الجدران صلابة
ليست تلك التي تحيط به،
بل تلك التي استقرت فيه.
حدود لم يعد يتذكر متى رُسمت،
ومسافات يتوقف عندها دون سبب واضح،
وأبواب لا يحاول فتحها، لأنه تعلّم، في وقت ما، أنها لا تُفتح.
هناك، يصبح الجدار جزءًا من اللغة التي يفهم بها نفسه.
ليس شيئًا يقف أمامه،
بل شيئًا ينظر من خلاله.
لهذا، لا يكون السؤال:
كم جدارًا في حياتنا؟
بل:
أيّ هذه الجدران ما زال يحميك…
وأيّها لم يعد سوى ظلٍّ لحدٍّ اختفى منذ زمن؟
جهاد غريب
مايو 2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق