الجمعة، 3 أبريل 2026

سعة الغيب: الرزق في تجلياته الخفية

 

سعة الغيب: الرزق في تجلياته الخفية

 

"أرزاقُ الظِّل: عن النِّعمِ التي لا تُرى"

 



 

"الرزق ليس رصيدًا بنكيًا فحسب؛ بل هو فكرة طارقة، أو لحظة سكينة، أو عافية صامتة. توقف عن النظر إلى اتساع السماء من ثقب إبرة احتياجاتك الضيقة".

 

متى كان الرزق محصورًا في هذا الإطار الضيق الذي صنعته أيدينا، وأيدينا وحدها، ذلك الإطار الذي يحشر كل معاني العطاء الإلهي في زاوية ضيقة لا تتسع، إلا لرصيد بنكي متزايد، أو لعقد زواج يليق بالصور، أو لذرية تملأ الغرف وتُقر العين، وفق مقاييس اجتماعية، لا علاقة لها بحقيقة ما تحتاجه الروح لتستقر. متى حدث هذا الاختزال العجيب! الذي جعلنا نعتقد أن من لم ينل حظه من هذه القوالب الجاهزة! قد حُرم الرزق، أو وقف في طابور المتأخرين عن العبور.

 

بينما الحقيقة الأعمق والأوسع تشير إلى أن الرزق في جوهره ليس شيئًا يُحصى بالكم، هو حال يُعاش بالكيف، نعمة تتسع لتشمل فكرة طارقة في منتصف الليل! تغير مسار العمر كله، لحظة حكمة تستقر في صدرك فجأة! فتحل بها عقدة ظللت سنوات تحملها دون أن تدري، شعور بالاطمئنان لا يشتريه مال ولا يوفره منزل فاره، إنما ينزل على قلبك من حيث لا تحتسب كغيث في أرض محترقة، فتحيلها إلى واحة تفيض عطاءً رغم جفاف الظروف من حولك.

 

على الضفة الأخرى من هذا التساؤل الوجودي الهادئ، نجد أن العافية، تلك التي نمر عليها في أدعية الصباح والمساء مرورًا سريعًا دون أن نتوقف عند عمقها، هي الرزق الصامت الذي لا نسمع صوته إلا حين يغادر.

 

أعظم أرزاق السماء التي لا تقدر بثمن: صحة تمكّنك من السجود لله وأنت تشعر بكل عظمة ما تفعله؛ قدرة على المشي إلى من تحب بلا ألم؛ عينان تريان بهما جمال الوجود رغم كل ما فيه من شوائب؛ عقل يظل متقدًا بالأسئلة الجميلة لا بالخرف المبكر الذي يصيب الأرواح قبل الأجساد.

 

فهل يقاس هذا الرزق بما يملك المرء من أسهم في سوق المال، أو بعدد الأصدقاء الذين يتابعون صوره في تطبيقات التواصل، وهل يكون من تزوج وأنجب وفق الخريطة الاجتماعية التقليدية، أغنى بالضرورة ممن اختار له القدر طريقًا مختلفًا لم تمنحه فيه الأقدار تلك الأشكال، لكنها منحته من السكينة ما يجعل لياليه هادئة وصباحاته مليئة بالرجاء! دون أن تثقله مسؤوليات جسدية تحول بينه وبين التأمل في معاني الوجود؟

 

إن إعادة تعريف الرزق بهذه الصورة الأرحب لا تعني أبدًا التقليل من قيمة ما ورد في النصوص، أو التغاضي عن أن للماديات مكانتها في حياة الإنسان، لكنها دعوة صادقة لتحرير مفهوم "النعمة" من سجن النمطية! الذي وضعه البشر، لأن القرب الجسدي من الناس قد يكون رزقًا لمن وجد فيه سكنًا، وقد يكون نقمة على من وجد فيه ضياعًا؛ والزهد في أشياء بعينها قد يكون فقرًا مدقعًا لبعض النفوس، بينما هو أعلى درجات الغنى! لنفوس أخرى اختارت أن تكتفي بعلاقاتها مع المعاني لا مع الأشكال.

 

وهنا نصل إلى لب الفكرة التي قد تغير نظرتك لكل شيء: أنت في كل لحظة تتلقى أرزاقًا لا تحصيها، في كل نفس يملأ رئتيك دون أن تدفع له ثمنًا، في كل لحظة ضوء تشرق فيه شمس يوم جديد، وتمنحك فرصة لم تكن واثقًا من بلوغها في الليلة الماضية.

 

في كل فكرة تُلهِمك بها السماء، فتحل بك مشكلة ظننتها مستعصية، في كل ابتسامة صادقة تلتقي بها ممن حولك، تذكرك بأنك لست وحيدًا في هذا العالم، إن أعمق أنواع الرزق قد يكون في أن تجد من يفهم لغة روحك دون أن تحتاج إلى ترجمان، وأن تلتقي بكلمات تطمئن بها قلبك، فتعتقد أنها كتبت منذ زمن لتصل إليك في الوقت المناسب تمامًا.

 

وهذا كله لا يقل أهمية عما نسميه تقليديًا "الرزق المادي"، بل هو في حقيقته المادة الخام التي نبني منها حياة تستحق أن تُعاش، حياة لا نكون فيها مجرد مراكمين للأشياء بل صيادين للمعاني.

 

فإذا كان الرزق بهذه السعة وهذا الامتداد اللامحدود، فما أجدرنا أن نقف كل صباح لنحسب النعم التي لا تعد ولا تحصى، والتي لا تخضع لأي مقياس بشري ضيق، وما أجدرنا أن ندرك أن من يظن نفسه محرومًا، لأنه لم يحصل على شكل معين من أشكال الرزق، قد يكون غارقًا في بحر من النعم لا يشعر بها، فقط لأنه نظر إلى اتساع السماء من ثقب إبرة احتياجاته الضيقة.

 

وأن السكينة التي تسكن القلب حين يرضى بقسمته، وتلك الطمأنينة التي تجعله واثقًا من أن ما كتبه الله له هو الخير بعينه، حتى لو لم تفهمه تفاصيله الصغيرة، هي في الحقيقة الرزق الذي لا يفنى، والغنى الذي لا يزول، والثراء الحقيقي الذي يبقى حين تتلاشى الأشكال، لتكتشف أنك كنت دائمًا غنيًا بما لا يملكه غيرك: بصِلَتِكَ مع الغيب الذي وسع كل شيء رزقًا وعلمًا.

 

جهاد غريب

أبريل 2026

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

صدى الأرواح!

  صدى الأرواح!   "ميراثُ الضوء: عن الأذرعِ التي تمتدُ من خلفِ السطور"     "المُعلّم الحقيقي لا يصنع تابعًا، بل يصنع ا...