النجاة من حصار الألم
"هندسةُ الانفصالِ عن المعاناة"
"النجاة تبدأ ببرودة المِبضع.. تعلّم كيف تخلق مسافة بينك
وبين جرحك، لتراه بدلًا من أن تكونه. لا تكن أنت الأمواج، بل كن من يركبها".
إن أعظم فخ
يقع فيه الإنسان حين يحاصره الألم هو ذلك الاندماج الكامل بين الذات والمعاناة،
حيث يصبح الألم ليس شيئًا يمر به، بل شيئًا هو هو، فيختفي الأفق وتضيق الرؤية،
وتتحول الحياة كلها إلى ذلك الجرح الذي لا يكف عن النزيف.
وهنا تكمن
المفارقة التي لا يفطن إليها إلا من نجوا من غرقهم: أن الانغماس التام في الألم لا
يزيدك قربًا من مخرج، يجعلك جزءًا من جدار الحصار ذاته، وكأنك تسبح في محيط عاصف
وأنت تصر على أن تكون أنت الأمواج لا أنت من يركبها، فتصبح القدرة على رؤية الشاطئ
مستحيلة!، لأن عينيك لم تعدا تفصلان بينك وبين الماء الذي يحيط بك من كل اتجاه.
ولهذا فإن
أولى خطوات النجاة، تلك التي لا يمكن تجاوزها أو الاستهانة بها، هي أن تتعلم فن
"هندسة المسافة"، فن أن تخلق بينك وبين ألمك فجوة صغيرة، لكنها كافية
لتجعلك تراه بدلًا من أن تكونه، مسافة لا تعني الهروب أو الإنكار، إنما تعني الدقة
الجراحية التي يمارسها الطبيب حين يمسك المبضع بيد لا ترتعش، فهو أقرب الناس إلى
الجرح، لكنه ليس الجرح، يلمسه لكنه لا ينصهر فيه، ينظر إليه بعين الخبير لا بعين
الضحية.
وهكذا ينبغي
للروح حين تشتد بها العواصف: أن تصنع من نفسها جراحًا ماهرًا، تحافظ على برودة
الذهن في لحظة احتدام الألم، وتنظر إلى ما تعانيه من موقع المراقب الذي يسكن في
أعماقها، لا من موقع الغريق الذي نسي أنه يملك عضلات تمكنه من السباحة.
على امتداد
هذه العملية الشاقة، التي تشبه في جوهرها تحولًا وجوديًا لا مجرد تغير مزاج عابر،
يبدأ الإنسان في الانتقال التدريجي من دور "المتورط" الذي لا يرى سوى
التفاصيل الصغيرة المسببة للوجع، فيقرأ الألم ككلمة واحدة لا تقبل التجزئة، إلى
دور "الشاهد" الحكيم الذي يقف على تلة مرتفعة فيقرؤه كفاصلة في جملة
طويلة لم تنتهِ بعد، حيث تنكشف له خريطة المعاناة كاملة، فيرى كيف أن هذا الألم
ليس كتلة واحدة صلبة، هو خيوط متشابكة بعضها من صنع الواقع، وبعضها من صنع خياله
الذي أضاف للحدث أضعاف حجمه الحقيقي.
وهنا تتحقق
المعجزة البسيطة التي لا يصدقها إلا من مارسها: أن النظر إلى الألم من مسافة كافية
لا يخفف حدته فحسب، بل يكشف لك عن تفاصيل كنت تغفل عنها! لأن عينيك كانت قريبة
جدًا من السطح، ربما ترى أن هذا الجرح الذي ظننته مميتًا لم يمس منك سوى الجلد
الخارجي، أو ربما تكتشف أن جزءًا كبيرًا من وجعك لم يكن من الضربة ذاتها، إنما من
خوفك من أن تتكرر الضربة، أو من حزنك على صورة كنت تظن أنها لن تنكسر، وكل هذه
اكتشافات لا يمكن أن تتم في حالة الذوبان الكامل في الألم.
ثم يأتي بعد
هذا الانفصال المؤقت، الذي يشبه في حكمته تلك اللحظة التي يأمر فيها الجراح فريقه
بإعطاء المخدر، ليتوقف الجسد عن الصراخ وتتمكن اليد من إصلاح ما تحت الجلد، دور إعادة
البناء، لأن النجاة الحقيقية لا تكمن في مجرد اجتياز الألم بسلام، بل في استخلاص
الحكمة منه، وتحويله من عدو يحاصرك إلى مادة خام تبني بها نسخة أقوى من نفسك.
وهذه أيضًا
تتطلب تلك المسافة ذاتها التي تحدثنا عنها، فأنت لا تستطيع أن تتعلم من تجربة وأنت
لا تزال عالقًا في داخلها كحشرة في كهرمان الألم، ترى العالم من خلال لونه الأصفر
الكئيب دون أن تلمسه، وتحتاج أن تخرج منها قليلًا، أن تنظر إلى ما حدث! كما ينظر
القارئ إلى نهاية فصل صعب في رواية يعرف أنها ستؤول في النهاية إلى معنى ما، ليس
لأن النهاية ستكون سعيدة بالضرورة، بل لأن مجرد امتلاك تلك النظرة "من
الخارج" يمنحك القدرة على اختيار معنى التجربة بدلًا من أن تظل أسيرًا لوقعها
الأعمى.
ومن هنا نفهم،
أن فن النجاة من حصار الألم ليس في إنكار وجود الحصار، أو الهروب الجسدي منه! بقدر
ما هو في إعادة بناء علاقتك به، أن تصبح أنت الساكن في القلعة لا الأسير في
الزنزانة، أن ترفع عينيك إلى الأفق بينما قدمك لا تزال راسخة على الأرض المتشققة،
أن تدرك أن ما يحدث لك ليس هو أنت، هو شيء يمر بك ويمر بك ويمر بك، حتى يجد أنك لم
تعد المكان المناسب للإقامة فيه، فتغادره أنت، أو يغادرك هو.
لتكتشف في
النهاية، أن أقوى ما في الإنسان ليس قدرته على منع الألم، بل قدرته على أن يظل
واقفًا على مسافة منه: يراقب؛ يفهم؛ يتعلم؛ ويعيد ترتيب أوراقه دون أن تبتل أوراقه
كلها بماء المعاناة، وأن النجاة لم تكن أبدًا في أن يختفي الجرح، بل في أن تظل أنت
المهندس الذي يحدد أين ينتهي الجرح وأين تبدأ أنت، لا الضحية التي تلاشت حدودها في
بحر النزيف.
جهاد غريب
أبريل 2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق