ما
لا يُرى… يثقل أكثر
"الماضي…
حين يتحول إلى وضعية نعيشها دون أن ننتبه"
لا أحد يرى ما نحمله.
ربما لأنه لم يعد شيئًا نحمله…
بل شيئًا نتحرك من خلاله.
نحن لا نسير في الحاضر كما نظن،
بل نعيد تمثيل وضعيات قديمة
نتقنها حدّ أننا لم نعد نشك فيها.
انحناءة خفيفة في الداخل،
تردد لا يُفسَّر،
حذر يتقدّم خطوة قبل كل قرار…
ليست هذه صفاتنا،
بل آثار ما مرّ بنا،
وقد استقر فينا حتى صار يبدو كأنه نحن.
الماضي لا يعود إلينا في صور واضحة دائمًا.
لا يطرق الباب بذكريات كاملة،
ولا يعلن عن نفسه كضيف ثقيل.
هو يتسرّب بصمت،
يختبئ في ردود الفعل،
في الإجابة التي تخرج قبل أن نفكّر،
في انسحاب لا نجد له سببًا مقنعًا،
وفي خوفٍ يبدو أكبر من الموقف بكثير.
شيئًا فشيئًا،
يتحوّل ما حدث
إلى ما يُملي كيف يجب أن نكون.
لا كقصة تُروى،
بل كقانون غير مكتوب.
وهنا تبدأ المشكلة الحقيقية:
حين لا نعود نميّز بين ما اخترناه،
وما ورثناه من لحظات
لم نخترها أصلًا.
نظن أننا نتصرف بحكمة،
بينما نحن في الحقيقة
نكرر حذرًا قديمًا.
نعتقد أننا نرى الأمور بوضوح،
بينما ننظر من خلال طبقة خفية
تشوّه التفاصيل دون أن نلاحظ.
نقول: “هكذا أنا”،
دون أن نسأل:
منذ متى؟
ليس الماضي ما يؤلم،
بل السلطة التي منحناها له
دون أن نشعر.
سلطة أن يحدّد سقف جرأتنا،
ونبرة أصواتنا،
والمسافة التي نسمح لأنفسنا
أن نقترب بها من الحياة.
لكن كل هذا يبقى مستقرًا…
حتى لحظة نادرة، دقيقة، شبه غير مرئية.
لحظة الشك.
ليست شكًا في العالم،
بل في تلك البديهيات
التي عشنا بها طويلًا.
حين نتوقف فجأة،
لا لأننا تعبنا،
بل لأن شيئًا ما داخلنا
لم يعد مقتنعًا بالكامل.
حين نلاحظ—لأول مرة—
أن ردّ فعلنا أسرع من وعينا،
وأن خوفنا أقدم من اللحظة التي نحن فيها.
هناك فقط،
يتسرّب سؤال صغير:
ماذا لو لم يكن هذا الصوت صوتي؟
ليس سهلًا أن يُطرح هذا السؤال.
لأنه لا يهزّ فكرة واحدة،
بل يهدد البناء كله.
أن تشكّ في خوفك
يعني أن تشكّ في تاريخ كامل
من التفسيرات التي أقنعتك
بأن هذا الخوف مبرّر.
أن تتساءل عن حذرك
يعني أن تعيد النظر
في كل مرة ظننت أنك كنت فيها “على حق”.
لكن هذا السؤال—رغم قسوته—
هو أول انحناءة معاكسة.
من هنا،
لا يبدأ النسيان…
بل يبدأ التفكيك.
نكتشف أن ما نحمله
ليس كتلة واحدة،
بل طبقات.
أن بعض ما نخشاه
لم يعد موجودًا،
وأن بعض ما نتجنبه
لم يعد يشبهنا.
أننا لا نحتاج إلى محو الماضي،
بل إلى سحب صلاحياته.
فالماضي، في جوهره،
لا يملك سلطة ذاتية.
نحن من نمدّه بها
كلما تصرّفنا
وكأنه ما زال يحدث الآن.
التحرر، إذًا،
ليس أن نقول: “لم يعد يهم”.
بل أن نرى بوضوح:
“لقد انتهى…
لكنني ما زلت أعيش كأنه لم ينتهِ”.
هذه الرؤية لا تُغيّر كل شيء فورًا،
لكنها تُحدث شقًّا في الجدار.
ومن هذا الشق،
يدخل احتمال جديد:
أن نجرّب ردّ فعل مختلفًا،
ولو كان صغيرًا،
ولو كان مترددًا.
أن نتأخر قليلًا قبل أن نخاف.
أن نسأل قبل أن ننسحب.
أن نسمح لأنفسنا بخطوة
لا تتوافق مع القصة القديمة.
وفي كل مرة نفعل ذلك،
لا نكسر الماضي…
بل نقلّص تأثيره.
إلى أن يحدث التحول
الذي لا يُعلن عن نفسه بضجيج.
لا لحظة انتصار،
ولا إعلان تحرر.
بل شيء أبسط… وأعمق:
أن تقف…
دون أن تنحني كما اعتدت.
أن تتنفس…
دون ذلك الثقل غير المفهوم.
أن تتصرف…
دون أن يسبقك تاريخك بخطوة.
حينها فقط،
تدرك أن ما كنت تحمله
لم يكن جزءًا منك،
بل كان فوقك.
وأنك، للمرة الأولى،
لا تحاول أن تصبح شخصًا آخر…
بل تتوقف عن أن تكون
الامتداد الصامت لما كان.
جهاد
غريب
أبريل
2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق