حين
تصبح "ربما" وعدًا
"الكلمات
التي تعد أكثر مما تقول"
أقسى الخيبات لا
تأتي دائمًا من الرفض الصريح، بل كثيرًا ما تتخفّى خلف الكلمات الصغيرة التي تبدو
بريئة في ظاهرها، رخوة في نبرتها، لكنها قادرة على أن تفتح في النفس أبوابًا واسعة
من التوقع. كلمة مثل "ربما" قد تبدو في قاموس المتكلم مجرد احتمال عابر،
مساحة مؤقتة للتردد، أو مخرجًا لطيفًا من حرج الوضوح، لكنها في أذن شاب متحمّس قد
تتحول إلى وعد شبه مكتمل، إلى بشارة مؤجلة قليلًا لا أكثر، فيبدأ ببناء تصورات
كاملة على أرض لم تكن ثابتة أصلًا. وهكذا لا تكون المشكلة في الكلمة وحدها، بل في
المسافة التي تنشأ بينها وبين ما يُفهم منها، تلك المسافة التي غالبًا ما تمتلئ
بالأمل أكثر مما تمتلئ بالمعنى.
في زمن التواصل
السريع والعلاقات الخفيفة والرسائل المقتضبة، صرنا نتكلم كثيرًا بلغة الضباب.
عبارات عائمة، ومواعيد مرنة، وإشارات غير مكتملة، ومجاملات تترك مساحة واسعة
للتأويل. نظن أحيانًا أن هذه اللغة تحمينا من القسوة، وتجعلنا أكثر لياقة، وتخفف
وطأة الرفض أو الحسم، لكنها في كثير من الأحيان لا تفعل سوى تأجيل الألم وصناعته
على هيئة أكثر نعومة في الظاهر، وأشد إيلامًا في الأثر. فالإنسان لا يتأذى فقط مما
قيل له بوضوح، بل مما سمح له الكلام أن يتخيله ثم سُحب منه بلا تفسير.
ولكي نفهم كيف
تتحول "ربما" إلى "أكيد" في ذهن كثير من الشباب، لا بد من
النظر إلى المرحلة النفسية والاجتماعية التي يعيشونها. فالشاب في سنوات الانتقال
بين الدراسة والعمل، بين الاعتماد والاستقلال، بين ما يتمنى أن يكونه وما لم تتشكل
ملامحه بعد، يعيش غالبًا في حالة ترقب داخلي دائم. المستقبل أمامه واسع، لكنه غير
مضمون؛ والفراغ حين يطول لا يبقى فراغًا محايدًا، بل يمتلئ بالقلق والأسئلة
والتوقعات. في مثل هذا الهشاش الوجودي، تصبح أي كلمة مشجعة أشبه بخيط نجاة، وأي
إشارة إيجابية بمثابة نافذة يدخل منها معنى محتمل للحياة. لذلك لا يسمع الشاب
اللفظ وحده، بل يسمع أيضًا ما يحتاج إليه في تلك اللحظة، وما يرجوه، وما يخشى
فقدانه.
حين يقول صاحب
عمل: "ربما نطوّر موقعك قريبًا"، قد يسمعها الشاب: "الترقية
قادمة". وحين يقول شخص يكنّ له ميلًا: "ربما نخرج نهاية الأسبوع"،
قد يلتقطها بوصفها بداية علاقة لا مجرد احتمال لقاء. الأمل، حين يكون متعطشًا، لا
يحتاج إلى يقين كامل؛ يكفيه طرف خيط كي ينسج منه حكاية. والعقل في هذه المرحلة لا
يعمل دائمًا بوصفه جهازًا باردًا لقراءة الوقائع، بل كثيرًا ما يتورط في خدمة
الرغبة، فينتقي من الإشارات ما يدعم ما نحب أن نصدقه، ويصرف نظره عمّا يخفف
الاندفاع. وبذلك لا يعود الالتباس اللغوي مجرد سوء تعبير، بل يصبح تواطؤًا خفيًا
بين كلمة غير محسومة ونفسٍ تبحث عن أي معنى تطمئن إليه.
غير أن الإنصاف
يقتضي القول إن الالتباس لا ينشأ من قابلية الشباب للتأويل وحدها، بل من الثقافة
الاجتماعية التي صنعت لغة كاملة من المجاملة الغائمة. نحن، في كثير من سياقاتنا
اليومية، لا نحب المواجهة الواضحة. نتعامل مع الصراحة كما لو كانت خشونة، ومع
الحسم كما لو كان قلة ذوق، فنلوذ بألفاظ مطاطية نعتقد أنها أكثر رقة، بينما هي في
الحقيقة تنقل عبء الحسم من المتكلم إلى المستمع. بدل أن نقول "لا
أستطيع"، نقول "إن شاء الله". وبدل أن نقول "الأمر غير
مناسب"، نقول "نشوف". وبدل أن نقول "لا أريد أن أعدك"،
نختبئ خلف "أكيد" التي قد لا تحمل من التأكيد إلا نبرتها الاجتماعية.
هنا تكمن المعضلة
الأخلاقية الأعمق: هل اللطف هو أن نخفف وقع الحقيقة، أم أن نؤجلها حتى تتضخم
الخسارة؟ كثيرون يظنون أنهم حين يتركون الباب مواربًا فإنهم يتصرفون برقة، لكن
الباب الموارب قد يكون أقسى من الباب المغلق، لأنه لا يسمح للآخر بالدخول، ولا
يمنحه في الوقت نفسه شجاعة الانصراف. فيبقى عالقًا بين انتظار لا يثمر وانسحاب لا
يكتمل. وتزداد خطورة هذا النوع من اللغة حين يكون هناك تفاوت في القوة أو الحاجة؛
حين يكون أحد الطرفين أكثر تعلقًا أو أقل خبرة أو أشد تعطشًا للفرصة، لأن الكلمات
المبهمة في هذه الحالة لا تُستقبل ببرود، بل تُبنى عليها آمال فعلية، وخطط،
وتأويلات، وربما أيام كاملة من الترقب.
وثمن هذا كله لا
يقف عند خيبة واحدة. الخيبات الصغيرة، حين تتكرر، لا تبقى أحداثًا منفصلة، بل
تترسب في الداخل حتى تصير طريقة في النظر إلى العالم. يبدأ الشاب بعدها في الشك
بكل كلام طيب، ويعامل الوعود جميعها بوصفها خدعة محتملة، ويصبح أكثر ميلًا إلى
التحفظ أو السخرية أو الانسحاب المبكر. وما يُقدَّم في البداية بوصفه
"لباقة" ينتهي أحيانًا بإنتاج جيل أقل ثقة باللغة ذاتها، أقل اطمئنانًا
للعلاقات، وأكثر تعبًا من محاولات قراءة ما بين السطور. وهذه خسارة لا يُستهان
بها، لأن العلاقات الصحية لا تقوم على براعة التخمين، بل على وضوح الحدود
والتوقعات، وعلى قدرة الناس على أن يقولوا ما يقصدونه بقدر معقول من الأمانة.
لكن الحل لا يكمن
في تحويل اللغة إلى أوامر جافة أو صراحة جارحة، بل في تعلّم ما يمكن تسميته
بالوضوح اللطيف. أي أن نكون صادقين من غير فظاظة، محددين من غير قسوة، وحاسمين من
غير استعراض قوة. يمكن للإنسان أن يقول: "أقدّرك، لكنني لا أستطيع أن
أعدك". ويمكنه أن يقول: "سأحاول، لكن الاحتمال غير مؤكد". ويمكنه
أن يحدد زمنًا ومسؤولية ومعنى، بدل أن يترك الآخر معلّقًا في فراغ العبارة.
فالوضوح لا يهين أحدًا، بل يحترم قدرة الآخر على التعامل مع الحقيقة. والواقع أن
الجرح الواضح، على قسوته العابرة، أرحم غالبًا من أمل مُعلّق لا يعرف متى ينتهي.
والأجمل من ذلك
أن الوضوح لا يحمي المستمع وحده، بل يحفظ المتكلم أيضًا من أن يتحول، من حيث لا
يشعر، إلى صانع خيبات. فالكلمات ليست أصواتًا عابرة تخرج ثم تتبدد، بل جسور نعبر
بها إلى الآخرين، والجسر لا يكفي أن يبدو جميلًا من بعيد؛ عليه أن يحتمل الوزن
الحقيقي للمشاعر والتوقعات. وكل عبارة غير مسؤولة قد تبدو بسيطة لحظة قولها، لكنها
قد تستقر طويلًا في ذاكرة شخص آخر بوصفها علامة، أو وعدًا، أو بداية.
لهذا يبدو أننا
بحاجة إلى إعادة الاعتبار لمعنى الوضوح، لا بوصفه قسوة، بل بوصفه شكلًا راقيًا من
أشكال الاحترام. احترامٌ لعقل الآخر، فلا نتركه أسير الاحتمالات المفتوحة.
واحترامٌ لوقته، فلا نعلّقه في انتظار لا ملامح له. واحترامٌ للعلاقة نفسها، فلا
نبنيها على الكلمات التي تصلح لكل شيء، ولا تقول شيئًا على وجه الدقة. عندها فقط
يمكن لـ"ربما" أن تبقى في لغتنا دون أن تتحول إلى فخ، ويمكن للكلام أن
يستعيد شرفه الإنساني البسيط: أن يدلّ بقدر ما يُطمئن، وأن يفتح باب الفهم لا باب
الوهم.
وفي النهاية،
ليست الفجوة بين ما يُقال وما يُفهم مجرد خلل لغوي عابر، بل هي في جوهرها مسافة
دقيقة بين قلب يخشى أن يكون واضحًا، وقلب آخر يتلهف لأن يجد في الكلام وعدًا يقيه
الحيرة. وما لم نتعلم كيف نقول باحترام، وكيف نسمع بتروٍّ، فستبقى الكلمات الصغيرة
قادرة على صناعة جروح كبيرة، لا لأنها خادعة دائمًا، بل لأننا كثيرًا ما نضع فيها
أكثر مما تحتمل.
جهاد غريب
مارس 2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق