بين
فورة القلب وهدوء العقل
"مسافة
نجاة بين القلب والعقل"
ثمّة لحظات
مصيرية نعيشها جميعًا؛ لحظات تشتعل فيها المشاعر وتغيم على بصيرتنا، فنبحث في عتمة
الاندفاع عن بصيصٍ من الهدوء يقودنا نحو قرار أكثر أمانًا. عند تلك العتبة
الدقيقة، نجد أنفسنا أمام مفترق خفي: طريقٍ يتوهج بحرارة القلب وما يطلقه من إحساس
فوريّ، وطريقٍ آخر يضيئه العقل بما يملكه من تروٍّ ونظر بعيد. وليس هذا التوتر
بينهما مسألة فلسفية مجردة، بل خبرة يومية تتكرر في العلاقات، وفي العمل، وفي ردود
الأفعال الصغيرة التي قد تترك أثرًا أكبر مما نتخيل. من هنا، يصبح البحث عن
"مسافة الأمان" بين القلب والعقل ضرورة نضج، لا ترفًا ذهنيًا؛ مهارة
وجودية تُسهم في تحديد جودة حياتنا، واتزان اختياراتنا، وطبيعة الندم الذي قد
نحمله أو نتجنّبه.
فعندما تندلع
العاطفة، لا يبقى الداخل على حاله. تحدث تحولات كيميائية وعصبية تغيّر طريقة
إدراكنا للواقع؛ فيفيض الجسد بما يدفعه إلى التوتر والاستجابة السريعة، ويدخل
الدماغ في حالة دفاعية تُضعف فسحة التفكير المنطقي. عندها نرى العالم من خلال مرشح
الشعور وحده، فنُكبّر ما يؤلمنا، ونُهمِل ما يحتاج إلى رؤية أبعد. وهذه الحال ليست
علامة ضعف، بل جزء من البنية الإنسانية القديمة التي صُممت لحمايتنا في لحظات
الخطر. غير أن ما كان نافعًا في النجاة الجسدية قد لا يكون دائمًا صالحًا في إدارة
العلاقات والقرارات المعقدة.
يكفي أن نتأمل
مثلًا لحظة الرد على رسالة جارحة. في وهج الغضب يبدو الرد القاسي مغريًا، بل يبدو
أحيانًا وكأنه استعادة فورية للكرامة والسيطرة، لكن القلب حين يكون محمومًا لا يرى
ما وراء الدقيقة المشتعلة: لا يرى تاريخ العلاقة، ولا احتمال سوء الفهم، ولا
الكلفة التي قد تُدفع لاحقًا من رصيد المودة أو الاحترام. والأمر ذاته يتكرر في
الحب، حيث قد يتخذ بعض الناس قرارات مصيرية تحت تأثير نشوة البدايات، ثم يكتشفون
بعد انقشاع اللمعان أنهم أغفلوا تناقضات عميقة في القيم أو الرؤية أو القدرة على
الاستمرار. وكذلك في العمل، قد يقودنا الحماس أو الإحباط إلى اندفاعات باهظة
الثمن: ترك وظيفة مستقرة لمجرد ضيق عابر، أو الدخول في مشروع غير مدروس لأن اللحظة
بدت واعدة أكثر مما ينبغي، أو مجاراة تيار عام فقط لأن الجميع يتحركون في الاتجاه
نفسه.
لهذا كلّه، لا
تكمن الحكمة في قمع العاطفة، بل في عدم تركها تنفرد بالمقود. إن أهم ما يمكن
للإنسان أن يتعلمه هنا هو خلق مسافة زمنية ونفسية بين الدافع والفعل؛ مسافة لا
تعني البرود، بل تعني منح النفس فرصة كي ترى ما تعجز عن رؤيته في لحظة الاشتعال.
هذه المسافة ليست فراغًا بين رغبتين، بل منطقة عمل داخلية يتحول فيها الاندفاع إلى
تأمل، والانفعال إلى فحص، والرغبة إلى سؤال. وما يبدو تأخيرًا بسيطًا قد يكون، في
أحيان كثيرة، شكلًا من أشكال النجاة الهادئة.
ولعل الأمثلة
العملية تكشف ذلك بوضوح أكبر. قد يتلقى إنسان عرضًا مهنيًا مغريًا في لحظة تعب
شديد من واقعه الحالي، فيبدو القبول الفوري خلاصًا، بينما يكشف الانتظار القصير أن
العرض ليس كما بدا، أو أن الظرف العاطفي هو الذي ضخّم بريقه. وفي الحياة الشخصية
أيضًا، قد تنقذنا مهلة قصيرة من كلمة لو قيلت في غير وقتها لفتحت بابًا يصعب
إغلاقه. كثير من الأخطاء الكبرى لا تحدث لأن الإنسان جاهل، بل لأنه قرر في لحظة لا
تصلح لاتخاذ القرار.
ومن هنا يمكن فهم
قيمة بعض الممارسات البسيطة التي تصنع هذه المسافة وتحميها. أولها أن يؤجل المرء
قراره حين يكون تحت تأثير عاطفة قوية، لا بوصف التأجيل هروبًا، بل بوصفه احترامًا
لخطورة ما هو مقدم عليه. فبضع ساعات من التريث قد تعيد إلى العقل توازنه، وتسمح
بطرح أسئلة لا تظهر عادة في ذروة الانفعال: كيف سأرى هذا القرار بعد عام؟ ما الذي
قد أخسره إن أسرعت؟ وما الذي قد أكسبه إن انتظرت قليلًا؟ وثانيها أن يبدّل الإنسان
زاوية النظر، فيخرج من مركز انفعاله إلى موقع المراقب، كأن يتخيل أن صديقًا عزيزًا
يطلب منه النصيحة في الموقف نفسه؛ فالمسافة المتخيلة كثيرًا ما تمنحنا عدالة لا
نمنحها لأنفسنا ونحن في قلب العاصفة. كما أن الكتابة تظل من أكثر الوسائل فاعلية،
لأنها تُخرج القرار من فوضى الداخل إلى مساحة مرئية يمكن مساءلتها؛ فحين تُكتب
الدوافع والمخاوف والمكاسب والخسائر، يتراجع سحر الانفعال قليلًا، ويبدأ الواقع في
استعادة حدوده. ويأتي بعد ذلك دور الاستشارة الحكيمة، لا مع أولئك الذين يوافقوننا
سريعًا، بل مع من يملكون شجاعة السؤال الصعب، لأن النصيحة الحقيقية ليست تصفيقًا
لمشاعرنا، بل توسيعًا لأفق رؤيتنا. والأهم من كل ذلك أن يتعلم الإنسان الفصل بين
الشعور والتقييم: أن يقول "أنا غاضب" دون أن يتحول الغضب إلى قرار، وأن
يعترف بالألم دون أن يسلّمه سلطة الحكم.
غير أن الغاية
النهائية ليست أن ينتصر العقل على القلب، ولا أن يُخضع القلبُ العقلَ لسطوته، بل
أن ينشأ بينهما نوع من الحوار الخلاق. فهناك أمور لا يكفي فيها المنطق وحده، لأن
الحياة ليست معادلة باردة؛ قرارات المعنى، والوفاء، والحب، والقيم، تحتاج إلى
حرارة داخلية تمنحها إنسانيتها. وفي المقابل، لا يكفي الشعور وحده لصنع اختيار
صالح للعيش، لأن النوايا الجميلة قد تنتهي إلى نتائج قاسية إذا لم يرافقها وعي
بالعواقب والحدود والإمكانات. القرار الأجود، إذن، هو ذاك الذي يمر بمحطتين: محطة
القلب ليكتسب الصدق والحماسة والمعنى، ثم محطة العقل ليكتسب التماسك والاستمرارية
والمسؤولية. وكما أن الطائر لا يحلّق بجناح واحد، لا يبلغ القرار نضجه الكامل إلا
إذا حملته حرارة الشعور ودقة التبصّر معًا.
العلاقة بين
القلب والعقل ليست ساحة غلبة، بل مساحة تكامل. القلب يرى الإمكانات قبل أن تتشكل،
والعقل يرى العقبات قبل أن تتفاقم. القلب يرى القيمة، والعقل يرى الكلفة. القلب
يحدّق فيما نريد أن نصير إليه، والعقل يذكّرنا بما نحن عليه وبما نستطيع حمله
فعلًا. ومن ثمّ، فإن صناعة "مسافة الأمان" بينهما لا تتم بقرار واحد، بل
بتدريب متكرر يشبه تعلّم العزف: قليل من المعرفة، كثير من الإصغاء، وتمرّن دائم
على ضبط الإيقاع الداخلي. ومع الزمن، لا يصبح الإنسان أقل شعورًا، بل أكثر قدرة
على الإنصات لشعوره دون أن يبتلع رؤيته، وأكثر تمكّنًا من التفكير دون أن يفقد دفء
إنسانيته.
أن نعيش بتوازن
بين القلب والعقل لا يعني أن نتخفف من الشغف أو أن نتخشب داخل الحسابات، بل أن
نبلغ درجة أرقى من العيش: شغفًا يعرف حدوده، وعقلًا لا يفقد نبضه. أن نمنح القلب
حقه في الإشارة إلى المعنى والاتجاه، وأن نمنح العقل حقه في رسم الطريق واختبار
صلابته. هكذا فقط لا نسير أعمى خلف انفعال عابر، ولا نتجمد تحت سلطة حسابٍ لا روح
فيه، بل نمضي في الحياة بوعيٍ يتّقد، وبحسٍّ لا يتهور، وبثقةٍ تنبع من انسجام
الداخل لا من صراع أجزائه.
جهاد غريب
مارس 2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق