السبت، 21 فبراير 2026

ثلاثية العمل الواعي: النية، الدور، والنتيجة

 

ثلاثية العمل الواعي: النية، الدور، والنتيجة

 




في أعماق كل ممارسة مهنية، تتشابك ثلاثة فضاءات خفية، تحكم التجربة كاملة من دون أن تظهر للعين: فضاء النية، وفضاء الدور، وفضاء النتيجة. أحيانًا تتلاقى هذه الآفاق في انسجام، فتمنح النفس طمأنينة، وأحيانًا تتباعد لتخلق حيرة، فتسائل الإنسان ذاته عن حدود السيطرة والمسؤولية. الإشكال الحقيقي لا يكمن في وجود هذه الطبقات، بل في محاولة إجبارها على التطابق، وفي الاعتقاد بأن أي فجوة بينها تعني إخفاقًا أو خللًا أخلاقيًا أو فشلًا مهنيًا.

 

الفضاء الداخلي، حيث تنمو النية، هو الأكثر خفاءً. هناك تتشكل الدوافع، يسكن الصدق أو يتوارى، وتُصاغ الرغبة الحقيقية في الخير والإتقان والإحسان. النية الصادقة ليست أداة للسيطرة على العالم الخارجي، بل بوصلة داخلية توجه القلب، دون أن تضمن النتائج أو تحدد استجابات الآخرين. قد تُقابل النية الطيبة بالجفاء، وقد تحمل محاولة الإصلاح آثارًا لم تُحسب، وهذا ليس خللًا فيها، بل طبيعة الواقع المعقد، حيث تتقاطع الإرادات والظروف والصدف.

 

في المستوى الوسيط، يبرز الدور، القالب الاجتماعي الذي نتحرك داخله، ما يُطلب منا أداؤه وما تُقاس به كفاءتنا. يتناغم أحيانًا مع النية، فيولد انسجامًا داخليًا، وأحيانًا يتصادم معها، فيخلق توترًا صامتًا. الدور لا يعرف مشاعرنا ولا دوافعنا، يحكم بما هو ظاهر فقط: أداء يُتقن أو يُهمل، مسؤولية تُنجز أو تُقصَّر.

 

أما النتيجة، فهي الأبعد عن السيطرة، المحصلة النهائية لتشابك أفعالنا مع تصرفات الآخرين، مع السياق والظروف والصدف. قد تجتمع النية الصادقة مع الأداء المتقن، فتأتي النتيجة بما لا نتوقع، فتثير التساؤل: أين الخطأ؟ غالبًا ليس فينا، بل في وهم الاعتقاد بأن النية والدور كافيان لصناعة النتائج. النتائج لا تعترف بالإخلاص وحده، ولا تكافئ الجهد التام تلقائيًا، بل تخضع لقوانين أوسع مما يمكن للعقل استيعابه.

 

أعمق الأزمات المهنية تنشأ حين تختلط هذه الفضاءات. حين يُحمّل الإنسان النية مسؤولية النتائج، تتوالى الخيبات. حين يربط إتقان الدور بصدق النية، يسيء الحكم على ذاته وعلى الآخرين. حين ترتبط كرامته بالنتيجة، يصبح أسيرًا لما لا يملكه. في هذا الخلط يعيش الإنسان في دائرة لوم مستمرة، لوم النفس على ما خرج عن السيطرة، وللآخرين على نوايا مجهولة، وللحياة على عدالة تتجاوز فهمه.

 

لكنه، حين يميز بين ما هو له وما ليس له، ينفتح أمامه فهم عميق. يدرك أن النية شأن داخلي، والدور شأن مهني، والنتيجة شأن كوني مشترك، لا يختزل في جهد فردي مهما بلغ صدقه وإتقانه. هذا الانفصال الواعي يحرر النفس من وهم السيطرة، ويتيح أداء الدور بإتقان لروح العمل نفسها، لا لخوف أو توقع تصفيق، ويجعل استقبال النتائج مسألة حضور واعٍ لا انكسار أو مرارة.

 

في هذا الانسجام، يصبح العمل مساحة حضور، لا ساحة إثبات، وتجربة معنى لا ميدان صراع. يتحول التقييم الداخلي إلى سؤال صامت: هل كنت صادقًا مع نفسي؟ هل أديت ما عليّ؟ هل تركت النتائج تسلك مسارها الطبيعي؟ هذا الميزان الداخلي، لا تقارير الأداء، هو الأصدق.

 

وفي لحظات الوعي، يتضح أن كثيرًا مما اعتبرناه فشلًا، كان مجرد نتيجة لعوامل خارجة عن إرادتنا، وأن ما بدا نجاحًا، كان أحيانًا محض توافق للظروف. الثبات الحقيقي هنا لا يأتي من الخارج، بل من الانسجام الداخلي بين النية والدور، مع التسليم الواعي للنتيجة.

 

الفضاءات الثلاث، وإن لم تتطابق، تتكامل. من خلطها عاش في اضطراب، ومن فصلها عاش في اتزان. ومن استطاع أن ينوي بصدق، ويؤدي دوره بإتقان، ويترك النتائج لما هو أوسع منه، فقد بلغ حرية نادرة: حرية العمل بلا خوف، والعطاء بلا قيد، والسلام بلا شروط.

 

 

جهاد غريب

فبراير 2026

 

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

انحناءات الضوء

  انحناءات الضوء   "كيف يتعلم الجسد والروح الرؤية"     لم يُخلق الانكسار بعد، فقط الانحناء كان حاضرًا… كضوء يلتف حول كل عق...