فن
قول "لا"
"حدود
تمنحك القوة والكرم الناضج"
في قلب كل علاقة
مهنية ناضجة، تتكشف لحظة فاصلة، حين يتوقف الإنسان بين بذل المزيد والاكتفاء بما
بُذل، بين الانفتاح الكامل على كل الطلبات، والانغلاق خلف حدود الذات. هنا يظهر
الرفض كفعل وجودي رصين، لا يقل نبلًا عن العطاء، كحكمة هادئة تدرك أن الكرم
الحقيقي لا يكمن في العطاء بلا سقف، بل في العطاء الواعي، العطاء الذي يعرف متى
يبدأ ومتى يتوقف، متى يفيض ومتى ينحسر، كما يعرف الضوء متى ينكسر في العدسة ومتى
يمر عبر كل عائق دون أن يفقد مساره.
يتجلى الاعتذار
حين يُصاغ بوعي، كفعل احترام لا إعلان عجز. هو قول واضح يحمل معنى: "أقدّر
طلبك وأحترمك، لكنني أعرف حدودي وألتزم بها". في هذا، تتحول "لا"
من قطيعة إلى حوار، ومن إغلاق إلى تحديد، ومن نهاية إلى بداية تفاهم أعمق حول
الممكن وغير الممكن. الرفض النبيل ليس رفضًا للآخر فحسب، بل حماية للعطاء، للحفاظ
على جودته، ولتأمين استمرار القدرة على العطاء الحقيقي.
غواية العطاء
تكمن في كونه يبدأ غالبًا كفضيلة صادقة، رغبة في المساعدة، رغبة إنسانية نقية.
لكنه يتحول، دون وعي، إلى استنزاف خفي، إلى نزف بطيء للطاقة والوقت والإبداع. حين
ينسى الإنسان حدود ذاته، يصبح المعطاء رهينة عطائه، ويكتشف أنه من أراد إرضاء
الجميع فقد "فقد القدرة" على إرضاء نفسه. الخدمة التي تتحول إلى واجب
ثقيّل تحجب الداخل، فتجعل الإنسان يقدم نفسه بلا احتفاظ، ويترك روحه عارية أمام كل
طلب، بينما العطاء الواعي يحفظ الداخل حيًا.
حين تتراكم
الطلبات الصغيرة، المهمات العابرة، المساعدات السريعة، يتحول وزن العطاء إلى حمل
ثقيل ينهك الإرادة ويستنزف الروح. تتآكل طاقات الداخل تدريجيًا، ويخفت الشغف،
ويصبح الإنسان خادمًا متقنًا لكنه مستنزف. الوعي بالحدود هنا هو ما يحفظ القدرة
على الاستمرار، ويمنح العطاء قيمته الحقيقية، دون أن يتحول إلى تبديد مقنع.
المساحات التي
تُترك دون تنظيم، الأدوار التي تُؤدى بلا تفكير، العطاء الذي لا يُراقب ولا
يُعدّل، كلها تولّد فوضى خفية. فوضى في الأولويات، في العلاقات، في التوقعات. حين
يُعطى بلا حدود، لا يُستنزف الداخل فقط، بل تتخلخل أيضًا حياة الآخرين، فتُفرض
التزامات لم تُرغب، ويختلط الدعم بالتعدي غير المقصود. العطاء الحقيقي يحتاج إلى
حدود، كما تحتاج التربة لدعامة تمنع جذور الشجرة من التمدد العشوائي، وكما تحتاج
العدسة إلى ضبط لتجمع الضوء دون تشويش.
في البيئات التي
تقدس العطاء غير المنضبط، يتحول العمل إلى سباق استنزاف، إلى تنافس على من يعطي
أكثر، تحت شعارات التفاني والحماس، بينما تختفي الحدود بين العمل والحياة، وبين ما
يجب فعله وما يمكن تأجيله أو رفضه. هنا يضيع الإبداع، وتتآكل الجودة، وينهار
الإنسان تحت وطأة طلبات لا تنتهي.
الرفض النبيل،
حين يُمارس بوعي، يصبح الحارس الذي يمنع الانزلاق، ويحمي العطاء من التحول إلى
عبء. إنه الميزان الذي يحدد متى يكون العطاء بناءً ومتى يتحول إلى استنزاف، متى
يكون إضافة ومتى يصبح نزفًا. من يتقن هذا الرفض، يتقن العطاء الحقيقي، ومن يحمي
ذاته بحدود واعية، يحمي الآخرين أيضًا من عطاء مشوه لا يجدي.
الاعتذار النبيل
لا يتوسل التفهم ولا يطلب الغفران، بل يقدم الاحترام، ويعطي للعلاقات مساحة
للحياة. حين يعتذر المرء بصدق، فإنه يقول: "أحترمك بما يكفي لأكون صريحًا،
وأقدّر علاقتنا بما يكفي لئلا أفسدها بعطاء لا أستطيع الاستمرار فيه". في هذا
الفعل، تتمازج القوة مع الرحمة، والكرم مع الحكمة، وتتحول الكلمة الواعية إلى فعل
يحفظ الجميع: الداخل والخارج، الذات والآخرين.
العطاء والرفض
ليسا ضدين، بل وجهان لنضج واحد. الفضيلة تكمن في الوعي الذي يميّز، في الشجاعة
التي تقول "لا" حين يجب أن تُقال، و"نعم" حين يستحق أن تُعطى.
من جمع بين هاتين الشجاعتين امتلك مفتاح النضج المهني الحقيقي: أن يعطي ما يحفظه،
ويرفض ما يضيّعه، وأن يجعل من حدوده نهرًا يروي الأرض، لا فيضانًا يغرقها.
جهاد غريب
فبراير 2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق