بصمة
من ضوء
"حين
يصير البيان أثرًا لا يزول"
ليس البيان مجرد
كلمات نلقيها في فضاء العمل، ولا هو تواصل عابر بين ذات وأخرى. البيان، في هذا
المقام، بصمة روحية في صلادة الواقع، شهادة مكتوبة على أنك كنت هنا، وأنك لم تمر
مرور الخفيف، تركت أثرًا يشبه الضوء على الماء، وحاضرًا وإن غاب صاحبه.
هو المرآة التي
ترى فيها ذاتك المهنية مكتملة. في غيابه، يظل الإنسان ظلًا هلاميًا، حضورًا
مشروطًا بتقديرات الآخرين، وجودًا معلقًا لا يستقر. أما به، فيتحول إلى كيان
ملموس، فكرة لها حدود، ورؤية لها ملامح. إنه كالنحت في الصخر؛ كل جملة تزيل فائض
الغموض، وكل فكرة تكشف طبقة أعمق من اليقين، حتى يظهر الوجه الحقيقي للذات
المهنية، وتتشكل هوية لا تخطئها العين.
ومن هنا يتجاوز
الأمر حدود الوصف إلى ما هو أعمق… ليس وصفًا لما تفعل؛ إنه إعلان عمّا تكون. في
بيانك تختصر نفسك دون أن تبتذلها، تضع خلاصة تجربتك بين يدي الآخرين، لا لتطلب
اعترافهم، بل لتمنحهم مفتاح الفهم. وكما يرى النحات أن تمثاله روح متحررة من فائض
المادة، ترى أنت أن كلماتك ذات متجلية في حروفها. كل رسالة تكتبها امتداد لك، وكل
تقرير تنجزه جزء من هويتك، ومن يقرأ ما تكتب بإنصات، يقرأك أنت: تاريخك المهني،
فلسفتك في العمل، طريقتك في رؤية العالم.
في صخب المهام
اليومية، حيث تتراكم الأرقام كالرمل وتزدحم التفاصيل كأوراق الخريف، يأتي البيان
ليصنع فسحة للمعنى. يذكرنا بأن العمل ليس تنفيذًا آليًا للمطلوب، وإنما تجسيد
للذات، وإعلان هادئ عن الوجود. حين تكتب كلمة واضحة، أنت لا تنقل معلومات فحسب،
تنقل جزءًا من روحك، تمنح المتلقي فرصة أن يرى العالم بعينيك، ويفهم منطقك، ويقترب
من طريقتك في التفكير. في هذا الانتقال، يتحول العمل من علاقة وظيفية باردة إلى
حوار وجودي دافئ، ومن أداء منفصل إلى بناء مشترك للمعنى.
سلطة الكلمة في
العمل ليست سلطة الأمر، إنما هي سلطة البيان والوضوح. حين تصوغ فكرتك بدقة، وتعرض
رؤيتك بثبات، تمارس أعمق أشكال السلطة: سلطة الإقناع، سلطة الحضور الذهني، سلطة
الوضوح الذي لا يترك فراغًا للتأويل. هذه السلطة لا تُمنح بقرار إداري، بل تُكتسب
بالبيان، وتُبنى كلمة بعد كلمة، كما يبني النور طريقه في العتمة، خطوة بعد خطوة،
بثبات لا يحتاج إلى صخب.
البيان القوي لا
يحتاج إلى مبالغة. قوته في وضوحه، وعمقه في دقته، وأثره في صدقه. يترك أثره في
القارئ كما تترك البصمة في الرمل، بهدوء، بثقة، بيقين أنها ستبقى ولو بعد حين. هنا
تتحقق مفارقة البيان: أن تكون قويًا دون أن ترفع صوتك، أن تكون حاضرًا دون أن
تزاحم، أن تكون مؤثرًا دون أن تتسلط. إنها قوة الضوء؛ لا يعلن عن نفسه، لكنه يكشف
كل شيء.
في بيئات العمل
التي تقدّس الأرقام، يأتي البيان ليذكرنا بالبعد النوعي للوجود المهني. الأرقام
تخبرنا بكم أنجزنا، والبيان يخبرنا من كنا ونحن ننجز. الأرقام تقيس الكم، والبيان
يكشف الكيف. الأرقام تسجل النتائج، والبيان يروي القصة. وبين هذا وذاك، يتشكل
الإنسان المهني ككائن متكامل، لا يكتفي بالإنتاج، ويسائل معناه: ماذا يعني ما
أنجزه؟ كيف يعبر عني؟ كيف يساهم في بناء معنى جماعي أوسع؟ هذه الأسئلة لا يجيب
عنها جدول بيانات، البيان وحده من يجيب.
أن تجعل من
البيان فعل وجود يعني ألا تترك أثرك للمصادفة، بل تصنعه بوعي وإرادة. لا تنتظر أن
يكتشف الآخرون قيمتك، بل تقدمها بوضوح، تضعها حيث يمكن رؤيتها. هذا ليس غرورًا؛
إنه أمانة المهنة، مسؤولية من يملك رؤية. فالصمت في غير موضعه ليس تواضعًا، وإنما
تقصير في حق الفكرة. والقائد الحقيقي من يعرف متى يتكلم، وكيف يصوغ كلمته، ليكون
بيانه كالمنارة، لا تصخب لكنها تهدي السفن في عتمة البحر.
ليس هامشًا
فكريًا، هو مركز الثقل في العمل. به تتجلى الذات، وبه ينتقل العمل من الأداء الآلي
إلى الإبداع الواعي. من أتقن بيانه، أتقن وجوده المهني، ومن أهمله ظل حاضرًا
بجسده، غائبًا بروحه، موجودًا في المكان، مفقودًا في المعنى.
فليكن بيانك كالنقش في الحجر، لا تمحوه الأيام، وكالضوء في الماء، يبقى أثره بعد أن يغيب صاحبه. فبعض الحضور لا يحتاج إلى جسد، يكفيه بيان… وبعض الخلود لا يحتاج إلى عمر، يكفيه كلمة.
جهاد غريب
فبراير 2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق