الأحد، 15 فبراير 2026

بقايا المخاض

 

بقايا المخاض

 

"شظايا الخروج الأول"

 




هناك صمت يسبق كل بداية، صمت ليس فراغًا إنما امتلاءً مؤجلًا، يشبه تلك اليد التي تتردد طويلًا قبل أن تلامس سطح الماء، خوفًا من أن تكسر سكونه. في هذا الفضاء المعلّق بين العدم والوجود، لا تبدأ الولادة كضجة، بل كهمس داخلي، كنحت بطيء في صلابة المجهول. كنت أظن أن الولادة صرخة تشق العالم، فإذا بي أكتشف أن الولادات الأعمق تتم في الصمت، في تلك اللحظة التي ينفصل فيها كيان عن كيان، كما تنفصل قطرة ندى عن حافة ورقة، دون شاهد، دون تصفيق، ودون أثر مرئي.

 

الولادة لا تترك آثارها على الجسد وحده، بل تنقش ندوبها الأعمق في الروح. هناك بقايا خفية، تشبه بصمات الماء على الرمل بعد انحسار الموج، لا تُرى لكنها لا تزول. كل إنسان يحمل في داخله شظايا خروجه الأول، ندوبًا روحية لا تُلتقط بالعين، لكنها تحدد اتجاهات حياته كما تحدد الصدوع القديمة مسارات الأنهار. ليست كل الجراح مما يجب أن يلتئم؛ بعضها يلتئم ليصير نافذة، وبعضها يتحول إلى عين ثانية ترى بها الروح ما تعجز عنه الحواس.

 

تخيّل أن الولادة الأولى لا تنتهي أبدًا، وأنها تعود لتتكرر كلما اقتربنا من حافة جديدة. في كل خروج من يقين إلى تساؤل، في كل انتقال من عتمة إلى ضوء، نعيد تمثيل ذلك المخاض القديم. نخلع جلدًا ونرتدي آخر، ونحمل معنا بقايا كل الولادات السابقة، تلك الندوب التي لا تثقلنا إنما تمنحنا عمقًا، كأنها نجوم صغيرة في سماء الذاكرة، تهدينا الطريق في ليالي الخوف والوحدة. ما أبهى أن نكون كائنات لا تكتمل، تولد نفسها مرارًا، وتعيش في مخاض دائم، كما تولد الشمس كل صباح من رحم الليل.

 

الضوء الأول الذي يلامس العينين ليس مجرد انتقال بصري، هو سؤال وجودي يقتحم الروح بلا استئذان. كل ضوء لاحق ليس إلا محاولة متكررة للإجابة عن ذلك السؤال الأول. يدخل النور فجأة، كغريب لا يعرف قوانين البيت، وتبقى الروح طوال العمر مشدودة إلى تلك العتمة الرحمية، إلى ذلك الفضاء السائل حيث كان الوجود ممكنًا دون وعي، ودون فواصل. لعل الحنين، في جوهره الأعمق، ليس حنينًا إلى زمن أو مكان، بل شوقًا إلى تلك الحالة الأولى، إلى أن نكون جزءًا من كلٍّ بلا انفصال.

 

لكن الخروج لا رجعة فيه. ما إن نرى النور حتى تُدفن العتمة في طبقات الذاكرة الجسدية، هناك حيث لا تصل اللغة. الجسد يتذكر ما تنساه الروح، يحتفظ بانحناءاته الأولى، بذلك الوضع الجنيني الذي نعود إليه في النوم والضعف، وكأننا نحاول الرجوع إلى نقطة البداية، إلى اللحظة التي كان فيها العالم كله محصورًا في نبض واحد، وفي أمان مطلق لا سؤال فيه.

 

نحن لا نولد مرة واحدة. نولد في كل قرار مصيري، في كل حب يغيّر شكلنا، في كل موت صغير يسبق بعثًا جديدًا. كل ولادة تحمل أثر ما قبلها، وكل خروج جديد يستدعي مخاضًا قديمًا. هذه الندوب لا تشوهنا، إنها تصنع طبقاتنا، تجعلنا كالصخر الرسوبي، نحمل في أجسادنا وأرواحنا ذاكرة الزمن، ونصير أكثر عمقًا كلما طال الطريق.

 

في صمت المساء، حين تخفت الأصوات وتذوب الأضواء، أعود بتأملي إلى تلك اللحظة الأولى التي لا تُستعاد. أسأل دون انتظار جواب: هل اختارت الروح هذا الجسد؟ أم قُذفت به إلى الوجود كما تُلقى البذرة في تربة لا تعرفها؟ ربما كانت الولادة اتفاقًا صامتًا، تعاقدًا غير مكتوب بين الروح والجسد، على أن يخوضا معًا ثقل الأيام وخفة اللحظات، على أن يبقيا متلازمين حتى يحين موعد الانفصال التالي.

 

يبقى الجسد شاهدًا صامتًا على تلك البداية، في انحناءات العمود الفقري، في إيقاع القلب، في ذاكرة الخلايا. أما الروح، فتحمل بقايا أخرى، لا تظهر إلا في لحظات الصفاء الخالص، حين نسكن إلى أنفسنا ونقترب من أسئلتنا الكبرى. في تلك اللحظات نشعر بخيط دقيق يشدنا إلى حافة العدم والوجود، فنرتجف بين عالمين، كما ارتجفنا أول مرة.

 

الولادة الهادئة لا تعني ولادة بلا ألم، هي ولادة يتحول فيها الألم إلى وعي، والصراخ إلى صمت كثيف. هي ولادة لا يشهدها أحد، تتم في عزلة مقدسة، حيث يواجه الكائن مصيره الأبدي: أن يُلقى في الوجود دون استئذان، ثم يُترك ليجيب وحده عن سؤال الحياة. في هذا الصمت تتشكل البذور الأولى للذات، وتنغرس الجذور العميقة للروح.

 

وما زلت أتأمل تلك البقايا، تلك الندوب التي تشبه أثر الضوء على العين بعد انطفائه. أتأمل كيف صارت جزءًا من هويتي، وكيف تحولت من جراح إلى نوافذ. ربما لم يكن معنى الحياة في تفادي الندوب، بل في تحويلها إلى جمال، وفي أن نجعل من كل ولادة قصة تستحق أن تُروى. أن نظل قادرين على الخروج من عتماتنا المتعددة إلى أنوارنا المتجددة، حاملين معنا بقايا كل تلك الولادات، كما يحمل المسافر كنوزه الخفية في رحلة لا تنتهي.

 

 

جهاد غريب

فبراير 2026

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

هندسة الروح المهنية

  هندسة الروح المهنية   "سيرة ذاتية من ضوء"     الكتابة ليست فعلًا هامشيًا في حياة المهني، ولا مجرد أداة تسجيل أو وسيلة ...