البيت الذي لا نغادره
"حين يصبح الخوف هو الجدار الوحيد"
لم يكن البيت يومًا جدرانًا فقط.
كان طريقة في الوقوف، في النظر، في التردد قبل أن نقول "نعم"
أو "لا".
في طفولتنا، لم يكن الخوف واضحًا. لم يكن اسمًا نعرفه، بل
إحساسًا خفيفًا يشبه التوقف المفاجئ عند حافة خطوة لم تكتمل. كنا نتحرك داخل البيت
كما لو أن هناك إيقاعًا غير مرئي يضبطنا: هذا يُقال، وهذا يُترك، هنا نخفض الصوت،
وهناك نبتسم حتى لو لم نرغب. لم يكن أحد يشرح لنا ذلك، ومع ذلك كنا نتعلمه بدقة،
كأن البيت يكتب نفسه فينا بصمت.
ومع الوقت، صار هذا الإيقاع جزءًا منّا.
لم نعد نحتاج إلى الجدران كي نتوقف.
صرنا نتوقف من تلقاء أنفسنا.
كثيرون يظنون أن الحرية تبدأ بالخروج.
بأن نغادر المكان، نغيّر العنوان، نبتعد عن كل ما يشبه
البداية.
لكن الخروج لا يضمن شيئًا.
يمكن للإنسان أن يقطع آلاف الكيلومترات، ويظل يحمل معه نفس
المسافة التي لم يجرؤ على عبورها داخله.
فالبيت، حين يستقر في الداخل، لا يحتاج إلى باب.
يكفيه أن يتحول إلى خوف.
خوف من أن نخطئ،
أن نُساء فهمنا،
أن نكسر صورةً بُنيت لنا قبل أن نختارها.
وهكذا، يصبح العالم واسعًا…
لكن خطواتنا تبقى ضيقة.
ليست المشكلة في العادات نفسها،
بل في اللحظة التي تتوقف فيها عن أن تكون خيارًا، وتتحول إلى
شرط غير مرئي.
نفعل الأشياء لا لأننا نؤمن بها،
بل لأننا لا نتخيل أنفسنا خارجها.
نكرر ما اعتدناه حتى يفقد معناه،
ونحرسه كما لو أنه الشيء الوحيد الذي يبقينا متماسكين.
الخوف هنا لا يصرخ.
لا يمنعك بصوت عالٍ،
بل يقف في الخلف، يهمس:
"ليس الآن… ربما لاحقًا."
ومع تكرار هذا الهمس،
يتحوّل "لاحقًا" إلى مكان لا نصل إليه أبدًا.
التحرر لا يبدأ حين نفتح الباب،
بل حين نلاحظ أنه لم يكن مغلقًا كما ظننا.
حين نسأل، ولو بصوت خافت:
لماذا أفعل هذا؟
ولماذا أتوقف هناك؟
ليس كل ما ورثناه عبئًا،
لكن ليس كل ما ورثناه قدرًا أيضًا.
هناك فرق دقيق بين أن نحمل ما نحب،
وأن نحمل ما لا نعرف كيف نتركه.
الخوف بارع في التخفي.
قد يظهر كحذر،
كاحترام،
كحكمة حتى.
وقد يقنعنا أنه يحمي توازننا،
بينما هو، في الحقيقة، يحمي نفسه من أن يُكشف.
لذلك، لا يكون التحرر مواجهة صاخبة،
ولا قطيعة حادة مع كل ما كان.
أحيانًا، يبدأ بخطوة صغيرة:
أن تقول ما كنت تؤجله،
أن تجرّب ما كنت تستبعده،
أن تقف لحظة أطول عند فكرة كنت تمرّ بها سريعًا.
ليست هذه أفعالًا كبيرة،
لكنها تُحدث شرخًا دقيقًا في الجدار.
ومع كل شرخ،
يتغيّر شكل الداخل.
لا يعود البيت مكانًا نخاف أن نغادره،
بل مساحة نعيد ترتيبها.
نحتفظ بما يشبهنا،
ونترك ما لم يعد كذلك.
ليس لأننا نرفض الماضي،
بل لأننا لم نعد نحتاج أن نخافه.
في لحظة ما، يكتشف الإنسان أن الحرية لم تكن في الخارج.
لم تكن في مدينة أخرى،
ولا في حياة مختلفة تمامًا.
كانت في تلك المسافة الصغيرة
بين ما يخشاه
وما يمكنه أن يجرّبه رغم ذلك.
هناك، فقط،
يتحرّك شيء لم يتحرك من قبل.
وربما، عندها، نفهم أن البيت لم يكن سجنًا.
بل كان اختبارًا هادئًا:
هل سنعيش داخله كما هو…
أم سنجرؤ، أخيرًا،
أن نعيش داخله كما نحن؟
جهاد غريب
مايو 2026

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق