السبت، 9 مايو 2026

أن نصير أخفّ من الضوء!

 

أن نصير أخفّ من الضوء

 

"عن الجهل النبيل، والفعل الصامت، والنجاة من عبء الظهور"



 

بعد كل ما يتراكم في العلاقات الإنسانية من سوء فهم وأسئلة وظنون وتفسيرات مرهقة، يبدو السؤال الأكثر إلحاحًا: كيف يمكن للإنسان أن يحافظ على نقاء أفعاله دون أن يبتلعه ضجيج العالم؟ كيف يظل قادرًا على العطاء، وعلى الحضور، وعلى التواصل، دون أن يتحول كل شيء إلى استعراض أو استجواب أو معركة خفية لإثبات الذات؟

 

ربما تبدأ الإجابة من فكرة تبدو غريبة في عصر يمجّد المعرفة بلا حدود: ليس مطلوبًا من الإنسان أن يعرف كل شيء. هناك نوع من الحكمة لا يقوم على جمع المعلومات، بل على معرفة ما الذي لا يستحق الاقتحام أصلًا. نوع من النضج يجعل الإنسان قادرًا على التراجع خطوة إلى الخلف، لا لأنه عاجز عن الوصول، بل لأنه يفهم أن بعض الأبواب تصبح أجمل حين تبقى مواربة.

 

هذا ما يمكن تسميته بالجهل النبيل. ليس جهلًا بالمعنى السلبي، بل قدرة واعية على مقاومة الفضول حين يتحول إلى تعدٍّ. أن تدرك أن ليس كل ما يخص الآخرين جزءًا من حقك المعرفي. وأن احترام المساحات غير المكشوفة في حياة البشر ليس نقصًا في الفهم، بل رقي في التعامل معهم.

 

في كثير من الأحيان، يفسد الإنسان الأشياء الجميلة لأنه يطالبها بتفسير دائم. يريد شرحًا لكل تصرف، وتعريفًا لكل علاقة، وتبريرًا لكل مبادرة. لكنه ينسى أن بعض المعاني لا تعيش تحت الضوء الكامل. هناك أشياء تحتفظ بجمالها لأنها لا تقول كل شيء عن نفسها.

 

ومن هنا تظهر قيمة الفعل الصامت. ذلك النوع من الأفعال الذي لا يحتاج إلى خطاب طويل يرافقه، ولا إلى دفاع مستمر عن نواياه. الفعل الصادق يمتلك غالبًا قدرة غريبة على الاكتفاء بنفسه. يصل، ويؤثر، ثم ينسحب دون ضجيج.

 

في المقابل، حين يُجبر الإنسان باستمرار على شرح نفسه، يبدأ شيء ما بالاختناق داخله. يتحول العطاء إلى تبرير، والنية إلى ملف مفتوح، والمواقف الإنسانية البسيطة إلى نقاشات مرهقة. ومع الوقت، يفقد الفعل خفته الأولى، لأنه لم يعد يُعاش، بل صار يُشرح طوال الوقت.

 

ولذلك تبدو بعض أكثر الأفعال نقاءً هي تلك التي تمر بهدوء. لا لأنها تخجل من نفسها، بل لأنها لا تحتاج إلى التصفيق كي تكتمل. مثل شجرة تعطي ظلها دون أن تطلب انتباه أحد، أو نافذة يدخل منها الضوء كل صباح دون أن تعلن عن فضيلتها.

 

لكن الوصول إلى هذا المستوى من الهدوء الداخلي يتطلب شيئًا أصعب: التحرر من الحاجة المستمرة إلى الظهور. فالأنا البشرية تحب أن تُرى، وأن يُعترف بها، وأن يُشار إليها بوصفها مصدر الخير أو الفكرة أو الفعل. وهذا طبيعي إلى حد بعيد، لكن المشكلة تبدأ حين يصبح الاعتراف أهم من الفعل نفسه.

 

عندها يتحول الإنسان تدريجيًا إلى سجين صورته أمام الآخرين. يفعل الأشياء وفي داخله مراقب ينتظر التقدير، أو الخوف من التجاهل، أو الحاجة إلى أن يبقى حاضرًا في ذاكرة الجميع. وهذا النوع من الثقل الداخلي يرهق الروح أكثر مما نعترف عادة.

 

أما الخفة الحقيقية، فتبدأ حين يتعلم الإنسان أن ينجز بعض أجمل أفعاله دون أن يطالب العالم بالالتفات إليه. أن يفهم أن القيمة لا تنقص حين تمر بصمت، وأن الأشياء العميقة غالبًا لا تحدث تحت الأضواء.

 

ثمة جمال خاص في الأشخاص الذين يشبه حضورهم الهواء: موجودون، مؤثرون، ضروريون أحيانًا، لكنهم لا يثقلون المكان بأنفسهم. لا يحولون كل شيء إلى سيرة ذاتية، ولا يضعون أسماءهم فوق كل أثر طيب يتركونه وراءهم. يمرون بخفة، لكن أثرهم يبقى طويلًا.

 

وربما تكون هذه إحدى أصعب المهارات الإنسانية: أن يعرف الإنسان كيف يكون حاضرًا دون استعراض، مؤثرًا دون ضجيج، وقريبًا من الآخرين دون أن يقتحمهم. أن يتعلم كيف يترك المعاني تأخذ شكلها الطبيعي دون أن يرهقها بالتفسير المستمر.

 

في النهاية، ليست العظمة دائمًا في أن يراك الجميع، بل أحيانًا في أن تصبح خفيفًا بما يكفي كي تعبر حياة الآخرين بلطف، وتترك فيها شيئًا جميلًا، ثم تمضي دون أن تطالب بشيء في المقابل.

 

جهاد غريب

مايو 2026

 

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

أن نصير أخفّ من الضوء!

  أن نصير أخفّ من الضوء   "عن الجهل النبيل، والفعل الصامت، والنجاة من عبء الظهور"   بعد كل ما يتراكم في العلاقات الإنسانية...